النويري

80

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال البحترىّ في سليمان بن عبد اللَّه : كأنّ آراءه والحزم يتبعها تريه كلّ خفىّ وهو إعلان ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤه وإن تنم عينه فالقلب يقظان وقال أيضا : كأنّه وزمام الدّهر في يده يرى عواقب ما يأتي وما يذر وقال آخر : يرى العواقب في أثناء فكرته كأنّ أفكاره بالغيب كهّان وقال آخر : بديهته وفكرته سواء إذا ما نابه الخطب الخطير وأحزم ما يكون الدهر يوما إذا عجز المشاور والمشير ومن الناس من كره أن يشير ، فمنهم عبد اللَّه بن المقفّع ؛ وذلك أنّ عبد اللَّه ابن علىّ استشاره فيما كان بينه وبين المنصور ؛ فقال : لست أقود جيشا ، ولا أتقلَّد حربا ، ولا أشير بسفك دم ، وعثرة الحرب لا تستقال ، وغيرى أولى بالمشورة في هذا المكان . واجتمع رؤساء بنى سعد إلى أكثم بن صيفىّ يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب ؛ فقال : إنّ وهن الكبر قد فشا في بدني ، وليس معي من حدّة الذّهن ما أبتدئ به الرأي ، ولكن اجتمعوا وقولوا ، فإنّى إذا مرّ بي الصواب عرفته . وسيأتي خبر كلامه في وقائع العرب ؛ وإنما أوردناه في هذا الموضع لدخوله فيه والتئامه به ، ومناسبته له ، لا على سبيل السهو والتّكرار لغير فائدة .